زاوية الم الذات ( مجلة الأسرة والتنمية ) :

الحجاب المستفز!

* كتب / عبد الحبيب العزي - إبريل 2007

 

العلمانيون في تركيا أقاموا الدنيا ولم يقعدوها ، وتسببوا في حدوث أزمة سياسية كادت تعصف بالبلد ولا تزال ، حين خرجوا في مسيرات حاشدة ومعترضة ، لمجرد تسريبات تم تداولها ، عن احتمال ترشُّح السيد / رجب طيب أردوجان - رئيس الحكومة التركية الحالية - لمنصب رئاسة الجمهورية ، ولذكاء الرجل ومهارته السياسية المشهود لها ، فقد آثر مصلحة بلده العليا ، وكذا حزبه ، عن طموحاته الشخصية في الوصول إلى كرسي الرئاسة ، حيث ظهر ذلك من خلال إعلانه ترشيح وزير خارجيته السيد / عبد الله جُل ، لمنصب رئاسة الجمهورية ، وقد سارت الأمور بشكل طبيعي في بادئ الأمر ، لكن البيان الذي صدر عن الجيش التركي بعد يومين فقط من ذلك الإعلان - والذي حمل في طياته لهجة حادة ضد الحكومة ( ذات الجذور الإسلامية ) كما يقولون - جاء بمثابة الشرارة لبدء صراع قديم متجدد ، بين الجيش ، الذي يرى نفسه حامياً وحارساً أميناً لمبادئ العلمانية التركية ، ولمؤسسها أتاتورك " الأب الروحي للعلمانيين الأتراك " ، وبين الحكومة ذات الجذور الإسلامية ، حيث والجيش يرى أن من حقه التدخل في أي لحظة يشعر فيها بأي خطر يتهدد العلمانية التركية ، الامر الذي جعل كافة الأحزاب والمنظمات والجمعيات النسائية ، العلمانية في تركيا ، تنظم مسيرة حاشدة أخرى جابت شوارع اسطنبول العاصمة تحت شعار ( لا لحكم الشريعة الإسلامية ، نعم للديمقراطية ) .

العجيب والغريب في الأمر .. حيث والعجائب في هذا الزمان كثيرة ، أن تلك الأحزاب والمنظمات العلمانية التركية ، جعلت من الحجاب الذي ترتديه السيدة زوجة عبد الله جُل ، المرشح لمنصب الرئاسة ، جعلت منه القضية الأولى والشغل الشاغل لها .. لأنه لو فاز " جُل " من وجهة نظرها ، بمنصب الرئيس - وهو حتما كان سيفوز بتقدير العديد من المراقبين - فإن ذلك يعني أن زوجة " جل " ستكون أول محجبة تطأ قدماها القصر الرئاسي في تركيا ، وهذا يمثل استفزازاً قوياً ، وتحدياً كبيراً ، بل وتهديداً خطيراً لقيم ومبادئ العلمانية التركية .

والعجب الآخر ، هو ذلك التناقض الصارخ بين شطري الشعار المرفوع من قبل تلك الأطراف ، فهي في الشطر الأول ترفض الآخر حين تقول ( لا للشريعة الإسلامية ) وفي الوقت نفسه تدعي الديمقراطية في الشطر الثاني ، مع أن كلنا يعلم أن القبول بالآخر هو معلوم من ( الديمقراطية ) بالضرورة ، وأن حزب العدالة والتنمية ( ذو الجذور الإسلامية ) كما يوصف ، فاز بأغلبية مقاعد البرلمان في انتخابات حرة ونزيهة شهد لها العالم بأسره ، ضمن تلك الأطر الديمقراطية التي يقول بها العلمانيون ، ثم لا أحد يستطيع أن ينكر اليوم ، كل تلك التحولات الهائلة ، التي حدثت في تركيا خلال الأعوام الماضية ، في مجالات التنمية المخلتفة وخاصة الاقتصادية منها ، ثم ذلك التقدم الملحوظ في العلاقات الخارجية ، والتي كان أبرزها العمل الدؤوب من أجل انظمام تركيا إلى الاتحاد الأوروبي ، كل ذلك حدث في ظل حكومة حزب العدالة والتنمية برآسة أردوجان ، بل إن البعض يذهب بعيداً حد القول بأن النهوض الاقتصادي الذي تحقق لتركيا في السنوات الأخيرة هو أشبه بالمعجزة ، وهي فترة حكم العدالة والتنمية .

إن مشكلة بعض العلمانيين - ليس في تركيا وحسب ، بل وحتى في عالمنا العربي ، من ليبراليين وقوميين وعروبيين - أن لديهم أحكاماً مسبقة وجاهزة ضد كل حركة أو تنظيم أو حزب سياسي ، يحمل طابعاً ايديولوجياً إسلامياً ، أو ذو خلفية فكرية إسلامية ، بأن هؤلاء متطرفون ، يريدون أسلمة كل شيء في البلد الذي يسيطرون عليه ، وهم يشجعون ارتداء المرأة للحجاب بذريعة أنه من الحريات الشخصية "في مفهوم الديمقراطية والقبول بالأخر على الأقل " ، وإلى ما هنالك من هذه الاتهامات ، مع أن حكومة " أردوجان " أثبتت عكس ذلك تماماً ، ومع ذلك ، فهي بالضرورة تشكل خطراً على العلمانيين وعلى العلمانية في تركيا لانها " ذات جذور إسلامية " .

يا أيها العلمانيون في تركيا .. يا دعاة الديمقراطية في عالمنا العربي ، من فضلكم ، تعلموا قبول الآخر ، حتى وإن كان ذلك الآخر ، حزب العدالة والتنمية في تركيا ، أو حماس في فلسطين ، أو الإخوان المسلمون في مصر ، أو المحاكم الإسلامية في الصومال .. تعلموا احترام قرارات الشعوب في اختيار من يحكمها ، حتى ولو كان من ( ذوي الجذور الإسلامية ) .

* نُشر هذا لمقال في العدد (37) من مجلة الأسرة والتنمية - إبريل 2007


 
 
 
 
 
 

 

عودة للرئيسية  | تراجع للخلف

 
  جميع الحقوق محفوظة - تصميم وتطوير حبيب للإعلان المتخصص