العلمانيون في
تركيا أقاموا الدنيا ولم يقعدوها ، وتسببوا في حدوث أزمة
سياسية كادت تعصف بالبلد ولا تزال ، حين خرجوا في مسيرات حاشدة
ومعترضة ، لمجرد تسريبات تم تداولها ، عن احتمال ترشُّح السيد
/ رجب طيب أردوجان - رئيس الحكومة التركية الحالية - لمنصب
رئاسة الجمهورية ، ولذكاء الرجل ومهارته السياسية المشهود لها
، فقد آثر مصلحة بلده العليا ، وكذا حزبه ، عن طموحاته الشخصية
في الوصول إلى كرسي الرئاسة ، حيث ظهر ذلك من خلال إعلانه
ترشيح وزير خارجيته السيد / عبد الله جُل ، لمنصب رئاسة
الجمهورية ، وقد سارت الأمور بشكل طبيعي في بادئ الأمر ، لكن
البيان الذي صدر عن الجيش التركي بعد يومين فقط من ذلك الإعلان
- والذي حمل في طياته لهجة حادة ضد الحكومة ( ذات الجذور
الإسلامية ) كما يقولون - جاء بمثابة الشرارة لبدء صراع قديم
متجدد ، بين الجيش ، الذي يرى نفسه حامياً وحارساً أميناً
لمبادئ العلمانية التركية ، ولمؤسسها أتاتورك " الأب الروحي
للعلمانيين الأتراك " ، وبين الحكومة ذات الجذور الإسلامية ،
حيث والجيش يرى أن من حقه التدخل في أي لحظة يشعر فيها بأي خطر
يتهدد العلمانية التركية ، الامر الذي جعل كافة الأحزاب
والمنظمات والجمعيات النسائية ، العلمانية في تركيا ، تنظم
مسيرة حاشدة أخرى جابت شوارع اسطنبول العاصمة تحت شعار ( لا
لحكم الشريعة الإسلامية ، نعم للديمقراطية ) .
العجيب والغريب
في الأمر .. حيث والعجائب في هذا الزمان كثيرة ، أن تلك
الأحزاب والمنظمات العلمانية التركية ، جعلت من الحجاب الذي
ترتديه السيدة زوجة عبد الله جُل ، المرشح لمنصب الرئاسة ،
جعلت منه القضية الأولى والشغل الشاغل لها .. لأنه لو فاز "
جُل " من وجهة نظرها ، بمنصب الرئيس - وهو حتما كان سيفوز
بتقدير العديد من المراقبين - فإن ذلك يعني أن زوجة " جل "
ستكون أول محجبة تطأ قدماها القصر الرئاسي في تركيا ، وهذا
يمثل استفزازاً قوياً ، وتحدياً كبيراً ، بل وتهديداً خطيراً
لقيم ومبادئ العلمانية التركية .
والعجب الآخر ،
هو ذلك التناقض الصارخ بين شطري الشعار المرفوع من قبل تلك
الأطراف ، فهي في الشطر الأول ترفض الآخر حين تقول ( لا
للشريعة الإسلامية ) وفي الوقت نفسه تدعي الديمقراطية في الشطر
الثاني ، مع أن كلنا يعلم أن القبول بالآخر هو معلوم من (
الديمقراطية ) بالضرورة ، وأن حزب العدالة والتنمية ( ذو
الجذور الإسلامية ) كما يوصف ، فاز بأغلبية مقاعد البرلمان في
انتخابات حرة ونزيهة شهد لها العالم بأسره ، ضمن تلك الأطر
الديمقراطية التي يقول بها العلمانيون ، ثم لا أحد يستطيع أن
ينكر اليوم ، كل تلك التحولات الهائلة ، التي حدثت في تركيا
خلال الأعوام الماضية ، في مجالات التنمية المخلتفة وخاصة
الاقتصادية منها ، ثم ذلك التقدم الملحوظ في العلاقات الخارجية
، والتي كان أبرزها العمل الدؤوب من أجل انظمام تركيا إلى
الاتحاد الأوروبي ، كل ذلك حدث في ظل حكومة حزب العدالة
والتنمية برآسة أردوجان ، بل إن البعض يذهب بعيداً حد القول
بأن النهوض الاقتصادي الذي تحقق لتركيا في السنوات الأخيرة هو
أشبه بالمعجزة ، وهي فترة حكم العدالة والتنمية .
إن مشكلة بعض
العلمانيين - ليس في تركيا وحسب ، بل وحتى في عالمنا العربي ،
من ليبراليين وقوميين وعروبيين - أن لديهم أحكاماً مسبقة
وجاهزة ضد كل حركة أو تنظيم أو حزب سياسي ، يحمل طابعاً
ايديولوجياً إسلامياً ، أو ذو خلفية فكرية إسلامية ، بأن هؤلاء
متطرفون ، يريدون أسلمة كل شيء في البلد الذي يسيطرون عليه ،
وهم يشجعون ارتداء المرأة للحجاب بذريعة أنه من الحريات
الشخصية "في مفهوم الديمقراطية والقبول بالأخر على الأقل " ،
وإلى ما هنالك من هذه الاتهامات ، مع أن حكومة " أردوجان "
أثبتت عكس ذلك تماماً ، ومع ذلك ، فهي بالضرورة تشكل خطراً على
العلمانيين وعلى العلمانية في تركيا لانها " ذات جذور إسلامية
" .
يا أيها
العلمانيون في تركيا .. يا دعاة الديمقراطية في عالمنا العربي
، من فضلكم ، تعلموا قبول الآخر ، حتى وإن كان ذلك الآخر ، حزب
العدالة والتنمية في تركيا ، أو حماس في فلسطين ، أو الإخوان
المسلمون في مصر ، أو المحاكم الإسلامية في الصومال .. تعلموا
احترام قرارات الشعوب في اختيار من يحكمها ، حتى ولو كان من (
ذوي الجذور الإسلامية ) .