زاوية الم الذات ( مجلة الأسرة والتنمية ) :

حقوق الإنسان .. بين مثالية الخطاب وواقع التطبيق !

* كتب / عبد الحبيب العزي - مارس 2007

 

كثُر الحديث في الآونة الأخيرة ، وكثرت الكتابات حول حقوق الإنسان ، وأصبح هذا الخطاب لا يصدر عن الشعوب فحسب ، وإنما الحكومات كذلك ، فعُينت وزارات ولجان ومجالس تحت طائلة "الدفاع" عن الحقوق المنتهكة للإنسان ، متجاهلة بذلك سؤالاً رئيسياً وهاماً مفاده مايلي :

إذا كانت السلطة السياسية القائمة في أي قطر عربي ، هي من يملك القدرة والإمكانية على تطبيق هذه الحقوق ، فلماذا إذاً يتم تفريخ العديد من المؤسسات في هذا الشأن؟ ألا يعتبر ذلك تناقضا صارخا ؟!

وقد تعددت الجمعيات والمنظمات غير الحكومية ، المحلية والدولية ، العاملة في هذا الحقل ، وأصبح لها دور رائد ومهم ، سواء في التأثير على الحكومات من أجل تغيير سياساتها ، أو من حيث استغلالها – بوعي منها أو بعدم وعي - من طرف جهات معينة لتحقيق مآربها ، أو في تأديتها للدور الذي صنعه لها النظام الدولي الجديد ، نظام العولمة و"حقوق الإنسان " ! هذه الأهمية التي تحتلها هذه التنظيمات اليوم ، لم تكن تعرفها خلال العشرين سنة الماضية ، فما هو السبب ياترى ؟

يعلل الدكتور محمد عابد الجابري هذه المسألة بالقول : ( "في أواخر القرن الماضي كان ينظر إلى الاشتراكية كحل أسمى للمعضلة الاجتماعية والاستغلال الطبقي والطغيان الرأسمالي ، وكان الحل الاشتراكي العادل للمسألة الاجتماعية يمر عبر " تأجيج الصراع الطبقي قطريا ودوليا ، وكان الناس بناء على ذلك ينظرون إلى "العمل الإنساني" الذي تقوم به بعض الجمعيات الخيرية نظرة ملؤها الشك والازدراء ، أما اليوم وبعد أن توارت نظرية الصراع الطبقي وفشلت التطبيقات التي أجريت باسمها ، برزت المنظمات غير الحكومية ، مثل منظمة العفو الدولية ، ومنظمات حقوق الإنسان ، ومنظمة أطباء بلا حدود ، والمنظمات العربية المعنية بحقوق الإنسان ، لتقدم نفسها كـ"قطاع ثالث" بين الدولة والسوق ، قطاع يأخذ على عاتقه مهمة التخفيف من وقع الاستبداد السياسي والظلم الاجتماعي على الطبقات المستضعفة ، والتخفيف كذلك من وقع الكوارث الطبيعية وغيرها " ) .

وهكذا أخذت معظم التنظيمات العربية العاملة في مجال حقوق الإنسان ، على عاتقها مهمة الدفاع عن الإنسان العربي البسيط ضد تعسف الحكام وغطرستهم ، وضد تفاقم أوضاعهم الاجتماعية والاقتصادية ، وجعلت من مرجعيتها المواثيق والاتفاقيات الدولية التي تضمنتها منظمة الأمم المتحدة .

وإذا كان الفكر الغربي متوافقا مع موضوعه أصلاً ، وكانت منظومة حقوق الإنسان بشكلها الحالي ، هي نتاجاً طبيعياً لتاريخه الطويل ، فهل نبدأ نحن العرب من حيث انتهى الفكر الغربي؟ هل الحديث المتكرر عن كونية أو عالمية حقوق الإنسان وشموليتها واكتساحها للحدود والثقافات المحلية والأوضاع الاجتماعية والاقتصادية ، كلاماً عقلانياً ، مبنياً على أسس معرفية ، علمية وموضوعية ؟ هل استطاع العاملون لدينا في مجال حقوق الإنسان تفكيك محتوى الوضع العربي والدولي الراهن ، لفهم علاقاته الدقيقة والمركبة ، مما يساعد في بلورة آليات ناجحة في التعامل مع مضامين وأبعاد خطاب حقوق الإنسان ، والمساهمة - بالتالي - في تكييف هذه الحقوق أو تأصيلها ضمن مجتمعاتنا ؟ وهل تم التفكير في مدى قابلية تطبيقها عندنا بشكلها المستورد؟

باعتقادنا أن المشكل الأساسي الذي يجب البحث عميقاً فيه ، لا يتجلى في إثبات البعد الإنساني الذي تحتضنه المواثيق العالمية لحقوق الإنسان ، والتي تكتض به نصوص ومواد كل مواثيق حقوق الإنسان على المستوى الدولي ، ولكن المعضلة هي في البحث عن أسس ومضامين تصبح عن طريقها هذه المواثيق قابلة لأن تطبق في بلداننا العربية بشكل سليم ، بمعنى آخر البحث في الموانع الثقافية والاجتماعية والاقتصادية والسياسية والتاريخية والدولية التي تحول دون تطبيق مضامين هذه الحقوق .

بتقديرنا .. فإن على منظمات حقوق الإنسان العاملة في عالمنا العربي ، حكومية كانت أو غير حكومية ، أن تجعل خطابها متوائماً مع ما تقتضيه ظروف وطبيعة عالمنا العربي ، ولا تجعل آليتها في الخطاب نقلاً حرفياً عن عهود ومواثيق حقوق الإنسان السائدة في العالم ، وأن تبحث في الأسس والمضامين التي تجعل من تلك العهود والمواثيق قابلة للتطبيق في عالمنا العربي ، ومالم تفعل ذلك فهي - باعتقادنا - تزيد من العبئ على المواطن العربي الذي تقول بأنها ما أتت أساساً إلا للدفاع عنه .

* نُشر هذا لمقال في العدد (36) من مجلة الأسرة والتنمية - مارس2007


 
 
 
 
 
 

 

عودة للرئيسية  | تراجع للخلف

 
  جميع الحقوق محفوظة - تصميم وتطوير حبيب للإعلان المتخصص